ويجعل الاعتماد الكبير على مصدر تمويل واحد المنظمات غير الربحية أكثر عرضة للضغوط المالية، وتغيّر أولويات المانحين، والتحديات الخارجية غير المتوقعة؛ ما قد يؤدي إلى تعطل البرامج وتهديد استدامة المنظمة على المدى الطويل.
ويتطلب تجاوز هذه التحديات الانتقال من نهج مؤقت يقوم على الاستجابة للاحتياجات التمويلية عند ظهورها، إلى بناء استراتيجيات مؤسسية متكاملة ترتكز على تنويع مصادر الدخل والاستدامة المالية، بما يعزز قدرة المنظمة على مواصلة أعمالها رغم التقلبات الاقتصادية.
ولا تُقاس الاستدامة المالية بمجرد حجم الاحتياطيات النقدية المتراكمة لدى المنظمة؛ فالغاية من وجود المنظمة لا تقتصر على جمع الأموال، بل على تمكينها من مواصلة رسالتها وتحقيق أثرها.
كيف يسهم الذكاء الاصطناعي في رسم رحلة المانح؟
تُسهم خوارزميات التعلم الآلي في تحسين ما يُعرف بـ تجربة المانح (Donor Experience - DX)، من خلال رسم رحلة المانح وتحليل نقاط التفاعل المختلفة التي يمر بها؛ بدءًا من الإعلان الأول الذي يشاهده على وسائل التواصل الاجتماعي، مرورًا بزيارة موقع المنظمة والوصول إلى بوابة الدفع الإلكتروني، وصولًا إلى تلقي رسالة الشكر وتقارير الأثر.
ومن خلال تتبع هذه التفاعلات وتحليلها، يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في صياغة مقترحات للتبرع تتوافق بصورة أكبر مع قيم المانح واهتماماته ودوافعه. ومع التخصيص المتقدم، لا يتلقى المانح رسائل عامة موحدة، بل محتوى ومقترحات تستند إلى تفاعلاته السابقة، بما يسهم في تحويل العلاقة من تبرع لمرة واحدة إلى علاقة مستمرة وأكثر استدامة مع المنظمة.
وتشير إحدى الدراسات إلى أن تكلفة استقطاب مانح جديد قد تصل إلى خمسة أضعاف تكلفة الاحتفاظ بمانح حالي. فعلى سبيل المثال، إذا أظهر تحليل البيانات اهتمام أحد المانحين بمجال التعليم، يمكن توجيه تقارير ومحتوى مرتبط بهذا المجال إليه، بدلًا من إرسال رسائل لا تتوافق مع اهتماماته، مثل المحتوى المرتبط بالقطاع الصحي.
تطبيق الذكاء الاصطناعي عمليًا في رحلة المانح
يمكن لمنظمات القطاع غير الربحي البدء بمجموعة من الخطوات العملية لتحسين رحلة المانح باستخدام الذكاء الاصطناعي:
رسم نقاط تفاعل المانح: حدّد كيف يتعرّف المانح على المنظمة، وكيف يتفاعل مع محتواها، ويتبرع لها، ويتلقى رسائل المتابعة. ويمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تنظيم هذه المعلومات والكشف عن جوانب القصور في تجربة المانح.
تصنيف المانحين وفق اهتماماتهم: استخدم بيانات المانحين المتاحة لتحديد مجموعات الاهتمام العامة، مثل التعليم أو الصحة أو تنمية الشباب، ثم خصّص التواصل بما يتناسب مع اهتمامات كل مجموعة.
تخصيص رسائل المتابعة: استخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في صياغة رسائل الشكر وتحديثات الأثر بما يعكس اهتمامات المانحين ومساهماتهم السابقة، مع التأكد من مراجعة الموظفين للمحتوى قبل إرساله.
متابعة مستوى التفاعل: حلّل التغيرات في وتيرة التبرع، والتفاعل مع رسائل البريد الإلكتروني، والملاحظات الواردة؛ لتحديد المانحين الذين قد يستفيدون من تواصل أكثر ملاءمة لاهتماماتهم، مع احترام تفضيلاتهم المعلنة بشأن الخصوصية والتواصل.
ولمعرفة المزيد عن أتمتة رحلة المانح، يمكن الاطلاع على مقال Miloš Janković بعنوان Is Your CSO Ready to Automate Fundraising with AI? Here's How to Get There المنشور على منصة Hive Mind، والذي يقدم إرشادات عملية حول استخدام الذكاء الاصطناعي لدعم جمع التبرعات، وتحسين التفاعل مع المانحين، وجعل التواصل معهم أكثر ملاءمة وأصالة.
البعد التسويقي
لفهم الفرق بصورة أوضح بين التسويق التقليدي والتسويق المدعوم بالذكاء الاصطناعي في مجال العطاء، يمكن النظر إلى الكيفية التي يغيّر بها الذكاء الاصطناعي أربعة عناصر رئيسية: من نستهدف؟ وماذا نقول؟ ومتى نتواصل؟ وكيف نتابع العلاقة بعد التبرع؟
ويُحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا في هذه الجوانب من خلال:
استهداف الجمهور: بدلًا من الحملات العامة الموجّهة إلى شرائح واسعة، يتيح الذكاء الاصطناعي تقسيم الجمهور بصورة أكثر دقة استنادًا إلى سلوك المانحين السابق واهتماماتهم، بما يمكن أن يسهم في تحسين معدلات الاستجابة وخفض تكلفة استقطاب المانحين.
تصميم الرسائل: بدلًا من إرسال رسائل موحدة إلى الجميع، يساعد الذكاء الاصطناعي على إنشاء رسائل مخصصة تتناسب مع خصائص كل مانح واهتماماته، بما يعزز الارتباط بالمنظمة ويدعم بناء علاقة أكثر استدامة معها.
توقيت الحملات: بدلًا من الاعتماد بصورة شبه كاملة على المواسم والمناسبات، تساعد التحليلات التنبؤية على تحديد الأوقات التي يُرجح فيها تفاعل كل مانح مع فرص العطاء على مدار العام، بما يدعم استمرارية التدفقات المالية واستقرارها.
التواصل بعد التبرع: بدلًا من الاكتفاء برسائل شكر عامة أو متأخرة، يمكن للذكاء الاصطناعي دعم إعداد تقارير أثر آلية وتوفير روبوتات محادثة للاستجابة الفورية، بما يعزز الثقة ويشجع على استمرار العطاء.
الأبعاد النفسية والثقافية للعطاء: الارتباط العاطفي والخصوصية
بدلًا من محاولة تناول جميع الجوانب النفسية المرتبطة بالعطاء، يركز هذا القسم على جانب بالغ الأهمية، وهو تفضيلات المانحين المتعلقة بالخصوصية، وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة المنظمات غير الربحية على احترامها مع الحفاظ على علاقة قوية مع المانحين.
إن تبنّي التقنيات المتقدمة في جمع التبرعات لا يعني تجريد هذه العملية من بعدها الإنساني. بل على العكس، ينبغي أن تراعي أنظمة الذكاء الاصطناعي السياقات الثقافية والنفسية التي تعمل ضمنها. ففي كثير من المجتمعات، يقدّر بعض المانحين الخصوصية ويفضلون تقديم عطائهم بعيدًا عن الأضواء، دون تكريم علني أو إظهار دعمهم أمام الآخرين. وبالنسبة إلى بعضهم، قد تكون السرية جزءًا من قناعاتهم الأخلاقية أو الروحية، أو ببساطة من تفضيلاتهم الشخصية.
وهنا تواجه المنظمات غير الربحية تحديًا تسويقيًا دقيقًا: كيف يمكن للمنظمة بناء علاقة عاطفية عميقة ومستدامة تعزز ولاء المانح، في الوقت الذي لا يرغب فيه بالظهور أو بالتواصل المباشر والمكثف؟ وكيف يمكن تخصيص تجربة المانح دون المساس بخصوصيته أو التسبب في نفوره؟
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في التعامل مع هذا التحدي من خلال تتبع وتحليل ما يمكن تسميته «الأنماط السلوكية الصامتة» أو «لغة الجسد الرقمية». فمن خلال تفاعل المانح مع منصات التبرع، يمكن للأنظمة الذكية الاستدلال على بعض تفضيلاته المتعلقة بالخصوصية. فعلى سبيل المثال، قد تشير ممارسات متكررة، مثل اختيار التبرع بصورة مجهولة، أو رفض ظهور الاسم في قوائم المانحين، أو عدم الاستجابة لدعوات التكريم العلني، إلى تفضيل المانح مستوى أعلى من الخصوصية؛ ما يساعد على تصنيفه ضمن شريحة المانحين الذين يفضلون عدم الظهور.
وقد تواصلتُ ذات مرة مع أحد المانحين بعد أن قدّم مساهمة كبيرة لمنظمتنا، وكان هدفي ببساطة أن أشكره. لكنني فوجئت برد فعل متحفظ؛ إذ أصرّ المانح على ألا يعرف أحد بتبرعه، وألا يتم التواصل معه بشأنه مستقبلًا. اعتذرت له، وأكدت أن تبرعه وهويته سيظلان سريين، كما سجّلت تفضيله بعدم التواصل معه مجددًا، حتى إن قرر التبرع في المستقبل. وتذكّرنا مثل هذه التجارب بأهمية إعادة تصميم رحلة المانح انطلاقًا من توقعاته الحقيقية وتفضيلاته المتعلقة بالخصوصية، بدلًا من افتراضاتنا الداخلية.
وبالنسبة إلى هذه الشريحة تحديدًا، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد المنظمة على إعادة توجيه أسلوب التواصل وبناء علاقة عاطفية تكاد تكون «غير مرئية». وغالبًا ما تُدار هذه العلاقة بصورة أساسية بين النظام — أو موظف واحد مكلّف بذلك — والمانح، من خلال إجراءات عمل تضع الخصوصية في المقام الأول، مع ضبط الوصول إلى البيانات بعناية.
وتشير الممارسات الناشئة في المنظمات غير الربحية إلى أنه عند استخدام أنظمة إدارة علاقات المانحين المدعومة بالذكاء الاصطناعي بما يراعي تفضيلات الخصوصية ويخصص وتيرة التواصل ومحتواه، يمكن للمنظمات تحقيق تحسن ملموس في الاحتفاظ بالمانحين واستمرارية عطائهم. وعمليًا، قد يعني ذلك إرسال تحديثات دورية ومخصصة حول الأثر، مع الحفاظ الصارم على سرية المانح.
ويساعد هذا النهج المانحين على الشعور بأن المنظمة تفهم تفضيلاتهم وتحترم قيمهم ورغبتهم في عدم الظهور، بما يمكن أن يعزز علاقتهم طويلة المدى بالمنظمة.
حماية الإيرادات: استدامة المانحين والحملات
يُعد مفهوم «استدامة المانحين» أحد المرتكزات الاستراتيجية المهمة لتنويع مصادر الدخل وحمايتها من التراجع. فلا ينبغي أن تقتصر جهود المنظمات غير الربحية على استقطاب مانحين جدد بتكاليف مرتفعة، بل يجب أن تمتد إلى بناء علاقات طويلة الأمد تعزز ولاء المانحين، وتجمع بين مبادئ الاستدامة المالية، والتسويق الرقمي الحديث، وتصميم تجربة المانح.
وهنا تبرز إمكانات الذكاء الاصطناعي من خلال النماذج التنبؤية (Predictive Models) المدعومة بالتعلم الآلي، التي تساعد المنظمات على استشراف اتجاهات التبرع والسلوك المالي للمانحين. وكما تحلل شركات الاتصالات ومنصات البث الرقمي احتمالية إلغاء العملاء لاشتراكاتهم، يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي في المنظمات غير الربحية تحليل قواعد بيانات المانحين لتحديد الشرائح والأفراد الأكثر احتمالًا للتوقف عن تقديم دعمهم المالي، أو ما يُعرف بـ توقف المانحين عن العطاء (Donor Attrition).
ومن أمثلة التقنيات المستخدمة في هذا المجال منصة Virtuous، وهي منصة لجمع التبرعات وإدارة علاقات المانحين في المنظمات غير الربحية، تساعد على تنظيم بيانات المانحين، وتقسيمهم إلى شرائح، وأتمتة التواصل المخصص معهم. ويمكن لهذه الإمكانات أن تدعم بناء علاقات أقوى مع المانحين، وتعزز جهود المنظمة للاحتفاظ بهم.
ويعتمد هذا النوع من التحليل التنبؤي على مجموعة من المتغيرات والسلوكيات الدقيقة والمتراكمة، مثل الانخفاض التدريجي في معدلات فتح رسائل البريد الإلكتروني، أو تأخر الدفعات الشهرية الآلية أو تعثرها، أو انخفاض مبالغ التبرعات، أو انقطاع المانح لفترة طويلة عن زيارة موقع المنظمة.
وعندما ترصد الخوارزميات مثل هذه المؤشرات المبكرة، لا يقتصر دور النظام على إصدار تقرير إحصائي، بل يمكن أن يبدأ تلقائيًا حملات مخصصة لاستعادة تفاعل المانحين (Win-back Campaigns).
وقد تتخذ هذه الحملات شكل رسالة شكر شخصية من المدير التنفيذي، أو مقطع فيديو مخصص يوضح الأثر الفعلي الذي أحدثته مساهمات المانح في حياة المستفيدين. ويساعد هذا التدخل الاستباقي والمبكر على الحد من توقف المانحين عن العطاء، وإعادة تعزيز ارتباطهم بالمنظمة، ودعم استدامة التدفقات المالية.
تحديات تطبيق الذكاء الاصطناعي في المنظمات غير الربحية
على الرغم من الفوائد التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، فإن دمجه في أعمال المنظمات غير الربحية ينطوي على عدد من التحديات:
محدودية التمويل المخصص للتقنية: تعمل المنظمات غير الربحية غالبًا بميزانيات محدودة، في حين قد يفضّل المانحون توجيه التمويل نحو الخدمات المباشرة بدلًا من البنية التحتية التقنية؛ ما قد يجعل تحمل تكاليف منصات الذكاء الاصطناعي أمرًا صعبًا. ويمكن للمنظمات استكشاف فرص الشراكة مع شركات التقنية أو الجهات المانحة التي تدعم بناء القدرات الرقمية.
تشتت البنية التحتية للبيانات: يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى بيانات موثوقة ومنظمة، بينما تحتفظ العديد من المنظمات ببياناتها في أنظمة وملفات متفرقة وغير مترابطة. ويمكن أن تسهم الشراكات مع شركات التقنية التي توفر أدوات مجانية أو بأسعار مخفضة، إلى جانب وضع سياسات داخلية لإدارة البيانات وتنظيفها بصورة دورية، في معالجة هذه التحديات.
نقص الكفاءات المتخصصة: تفتقر العديد من المنظمات غير الربحية إلى موظفين يمتلكون مهارات متقدمة في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات. ويمكن الاستفادة من فرص التطوع التقني، وورش العمل التطبيقية، والدورات المعتمدة، بما في ذلك البرامج المتاحة عبر Hive Mind، للمساعدة في بناء قدرات المنظمة في هذا المجال.
تنوع احتياجات المانحين: يختلف المانحون في خلفياتهم ودوافعهم وتفضيلاتهم في التواصل. ويمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة المنظمات على تقسيم المانحين إلى شرائح وتخصيص رحلاتهم، مع ضرورة استمرار المراجعة البشرية لضمان مراعاة التواصل للاختلافات الثقافية والسياقات الشخصية المختلفة.
رأيك يهمنا
ما رأيك في هذا المقال؟ خصص 30 ثانية لمشاركة ملاحظاتك، وساعدنا على تطوير محتوى هادف يخدم القطاع غير الربحي.
إخلاء المسؤولية:
هذا المقال ضمن سلسلة مشروع «خارطة طريق الذكاء الاصطناعي المسؤول لمنظمات القطاع غير الربحي»، التي طُوّرت ضمن مشروع «الذكاء الاصطناعي من أجل التغيير الاجتماعي» (AI for Social Change)، التابع لبرنامج النشاط الرقمي في TechSoup، وبدعم من Google.org.
تتطور أدوات الذكاء الاصطناعي بسرعة، وعلى الرغم من أننا نبذل قصارى جهدنا لضمان صحة المحتوى الذي نقدمه، فقد تصبح بعض المعلومات غير محدّثة بمرور الوقت. فإذا لاحظت وجود معلومة قديمة أو لم تعد محدّثة، فيُرجى إبلاغنا عبر: content@techsoup.org.
أُعدّ هذا المحتوى بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وخضع للمراجعة والتحرير من قِبل حامد الذيابي
عن الكاتب:
حامد الذيابيمستشار استراتيجي وقيادي تنفيذي في القطاع غير الربحي السعودي، متخصص في الاستدامة المؤسسية والشراكات الاستراتيجية، وحاصل على درجة الماجستير في إدارة المنظمات غير الربحية.
